عجيبٌ أمرُ هؤلاءِ الشُهداءِ ما إن تسقطُ أجسادُهُم إلى الأرضِ حتى تراهُمْ أكثرَ منْ فجرٍ يُطلُّ بعدَ ليلٍ طويل، يُضيئُ الأفقَ وينيرُ المدى.
وما إنْ يجري دمُهمْ فوقَ التُّرابِ حتى تجدَهُمْ كنوزاً ثمينةً تُبهرُ الأبصارَ وتحارُ لها العقول.
وما إن تصعدُ أرواحُهم إلى الملأ الأعلى حتى يرتسمُوا أقماراً ُتزيِّنُ السَّماءَ وشموساً تُضيئ الدُّروب.
وما إنْ يلِجُوا أعماقَ الثَّرى حتى يتفتَّحُوا أقاحيَ تملأُ الرُّبى و أزاهيرَ تُلوِّنُ الحقول.
عندَ ذلك، يقفُ الزَّمانُ على عتباتِ تاريخِهِم، ليتراؤوا للعيونِ في أجملِ صورِهِم، وينسابوا للمسامعِ في أحنِّ نبراتهِِِم، ويتسلَّلوا للقلوبِ بأعذبِ عواطفِهم، وينسكبُوا في الأفئدةِ بأرهفِ أحاسيسِهم، وينطبِعُوا في العقولِ بأعمقِ مضامِنِهم.فإذا هُم أشدُّ حياةً من حياتِهم، وأكثرُ حيويةً من كلِّ أيَّامِهم، وأعظمُ تأثيراً من كلِّ مراحلِ أعمارِهِم.
وإذا هُم جمالٌ لا تشبَعُ من النَّظرِ إليه، وألحانٌ لا تَمِلُّ من سماعِها، ونبضاتُ قلبٍ تهيمُ بها، ورعشاتُ فؤادٍ تتشوَّق إليها، وكُتُبُ وعيٍ تتمسَّكُ بها، وأنوارُ عقلٍ تَنشدُّ إليها.
عجيبٌ أمرُ هؤلاءِ الشُّهداءِ إذ يُمثِّلون صورَنا الجميلَة، وأناشيدنَا العذبَة، ونبضَنا الحيّ، ورعشاتِنَا الموقٍظَة، وكتُبنَا الوضَّاءَة، وأحرُفَنَا النيِّرةِ، وراياتِنَا الخافقَةِ، ومشاعلَنَا المضيئَة.
وعجيبٌ أمرُهم إذ يستحيلونَ معلِّمينَ وإنْ لم يكتُبوا حرفا، وعازفينَ وإنْ لم يُحرِّكوا وترا، وهداةً وإن لم يدعوا أحدا، ومزارعينَ و إن لم يشقّوا ثلْما أو يبذروا حبَّاً، وحُداةً وإن لم يُحسنوا نشيداً أو يعرفُوا قصيدا.
وعجيبٌ أمرُ هؤلاءِ الشٌّهداءِ إذ ينطقونَ يوم تختفي أصواتُهم، ويُشعُّونَ يومَ تنطفيءُ عيونُهم، وينبضونَ يومَ تتوقَّفُ قلوبُهم، وتنتصِبُ قاماتثهم يومَ تَخِرُّ إلى الأرضِ أجسادُهم، وترتسِمُ كلُّ معانيهِم يوم ترتفعُ أرواحُهُم.